ابن تيمية

36

مجموعة الفتاوى

الْفَرْقُ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْحَدَثِ وَبَعْدَهُ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَهُمَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ : وَمَا شُرِعَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ : فَهَلْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ ؟ أَوْ الِاسْتِحْبَابِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ . ذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ إلَى أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَأَنَّهُ لَوْ سَجَدَ لِلْجَمِيعِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ : جَازَ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ مَا شَرَعَهُ قَبْلَ السَّلَامِ يَجِبُ فِعْلُهُ قَبْلَهُ وَمَا شَرَعَهُ بَعْدَهُ لَا يُفْعَلُ إلَّا بَعْدَهُ وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِن الْأَئِمَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ طَرْحِ الشَّكِّ قَالَ : { وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ } وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ يُسَلِّمْ } وَفِي حَدِيثِ التَّحَرِّي قَالَ : { فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيَبْنِ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ ثُمَّ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ } فَهَذَا أَمَرَ فِيهِ بِالسَّلَامِ ثُمَّ بِالسُّجُودِ . وَذَاكَ أَمَرَ فِيهِ بِالسُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ وَكِلَاهُمَا أَمْرٌ مِنْهُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ .